دراسة لـ«مرصد الذهب»: لماذا لم ينجح عيار 14 في مصر رغم انخفاض سعره؟
كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن محاولات نشر المشغولات الذهبية عيار 14 في السوق المصرية لم تنجح في تغيير خريطة العيارات، رغم الاعتراف القانوني به منذ عقود وانخفاض سعره مقارنة بعياري 18 و21.
وأوضح المرصد أن تجربة عيار 14 اصطدمت بعدد من العوامل، في مقدمتها ثقافة متوارثة تربط قيمة الذهب بارتفاع العيار، خاصة في الأقاليم والريف، إلى جانب عوامل فنية مرتبطة بزيادة صلابة السبيكة وارتفاع نسبة الهالك خلال عمليات التصنيع، وما يترتب على ذلك من زيادة تكلفة المصنعية.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن قصة عيار 14 تؤكد أن ارتفاع أسعار الذهب لا يدفع المستهلك المصري بالضرورة إلى خفض العيار، موضحًا أن تحولات السوق أظهرت أن قطاعات واسعة من المشترين تفضل تقليل وزن المشغول مع الاحتفاظ بعيار 21، أو الاتجاه إلى عيار 18 عند البحث عن المجوهرات الحديثة، بدلًا من الانتقال إلى عيار أقل.
وأضاف أن عيار 14 ليس منتجًا جديدًا ظهر مع موجات ارتفاع أسعار الذهب الأخيرة، وإنما هو عيار قانوني عرفه التشريع المصري منذ عقود، كما جرت محاولات فعلية لإنتاجه وتسويقه، لكنها لم تنجح في تكوين طلب مستقر داخل السوق.
العيارات القانونية.. عيار 14 ليس جديدًا في مصر
وأوضح «مرصد الذهب» أن التنظيم الحديث لدمغ المصوغات في مصر يمتد لأكثر من قرن، بداية من القانون رقم 19 لسنة 1916 بشأن دمغة المصوغات، ثم القانون رقم 126 لسنة 1946 الذي وضع تنظيمًا أكثر تفصيلًا واعترف بعدة عيارات للمشغولات الذهبية، بينها 23.5 و21 و18 و14 و12 قيراطًا.
وفي عام 1976 صدر القانون رقم 68 بشأن الرقابة على المعادن الثمينة والأحجار ذات القيمة، ليصبح الإطار الأساسي المنظم للقطاع مع تعديلاته اللاحقة.
وقال فاروق إن هذه الخلفية تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في قانونية عيار 14 أو قدرة الصناعة المصرية على إنتاجه، وإنما في مدى تقبل السوق والمستهلك لهذا المستوى من النقاء.
لماذا يتمسك المصريون بعيار 21؟
كشف «مرصد الذهب» أن التوزيع الجغرافي للطلب يمثل أحد أهم مفاتيح فهم خريطة العيارات في مصر، إذ يزداد الارتباط بعيار 21 في الأقاليم ومحافظات الدلتا والصعيد والقرى مقارنة بالمدن الكبرى.
وقال فاروق إن الذهب في هذه المناطق لا يمثل مجرد حُلي، وإنما يرتبط بالشبكة والزواج ومدخرات الأسرة والاحتفاظ بالقيمة، ولذلك أصبح العيار والوزن معًا جزءًا من تقييم قيمة المشغول ومكانته الاجتماعية.
وأضاف أن هذا الارتباط لا يزال قويًا إلى درجة أن بعض القرى والمناطق الريفية حتى اليوم لا تحظى فيها مشغولات عيار 18 بالقبول نفسه الذي تتمتع به في القاهرة والمدن الكبرى، ويظل عيار 21 الاختيار الطبيعي عند شراء الشبكة والمشغولات التقليدية.
وأشار إلى أن عيار 18 نفسه احتاج إلى سنوات طويلة حتى يوسع دائرة قبوله، وكان يُعرف تاريخيًا لدى قطاعات من المستهلكين باسم الذهب «الإفرنجي»، وظلت بعض الأسر تنظر إلى الشبكة عيار 18 باعتبارها أقل قيمة من عيار 21.
ومع ذلك، استطاع عيار 18 تدريجيًا بناء هوية مختلفة مرتبطة بالمجوهرات الحديثة والذهب الأبيض والألماس والأحجار والتصميمات الدقيقة، فأصبح لدى المستهلك سبب لاختياره يتجاوز انخفاض سعره عن عيار 21.
عيار 14.. انخفاض أكبر في نسبة الذهب
وأشار فاروق إلى أن عيار 21 يحتوي على 87.5% من الذهب الخالص، بينما تنخفض النسبة إلى 75% في عيار 18، ثم إلى نحو 58.3% فقط في عيار 14.
وأضاف أن المستهلك الذي تقبل تدريجيًا الانتقال من عيار 21 إلى عيار 18 مقابل اختلاف التصميم وطبيعة المنتج، أصبح مطالبًا عند الانتقال إلى عيار 14 بالتنازل عن نسبة أكبر بكثير من محتوى الذهب، دون الحصول على ميزة واضحة لا يوفرها عيار 18 بالفعل.
ومن هنا أصبح الحاجز أمام عيار 14 نفسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو اقتصادي، خاصة في المناطق التي لا يزال عيار 18 نفسه يواجه فيها تحفظًا لدى بعض المستهلكين.
تجربة 2016.. عيار 14 وصل إلى الأسواق ولم ينجح
كشف «مرصد الذهب» أن عام 2016 شهد واحدة من أبرز المحاولات الفعلية لنشر عيار 14 في مصر، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب وتراجع القدرة الشرائية، حيث شاركت مصانع وشركة كبرى في إنتاج مشغولات من العيار وطرحها داخل الأسواق.
لكن التجربة لم تحقق النتائج المستهدفة، وأظهرت تصريحات مسؤولي صناعة الذهب وقتها أن حركة مبيعات عيار 14 كانت محدودة للغاية، رغم أن الظروف الاقتصادية كان يفترض نظريًا أن تدفع المستهلك نحو المشغولات الأقل سعرًا.
وبنهاية عام 2016، أشارت تقديرات منشورة لمسؤولي القطاع إلى أن حصة عيار 14 لم تتجاوز نحو 5 في الألف من مبيعات المشغولات، مقابل نحو 70% لعيار 21 ونحو 30% لعيار 18.
وقال فاروق إن أهمية هذه التجربة تتمثل في أنها تثبت أن فشل العيار لم يكن نتيجة عدم توافره، فالمنتج تم تصنيعه وعرضه فعليًا، وفي توقيت شهد ارتفاعًا في الأسعار، ومع ذلك لم ينجح في تغيير سلوك المستهلك المصري.
ارتفاع الصلابة والهالك يرفعان مصنعية عيار 14
وأوضح «مرصد الذهب» أن هناك عاملًا فنيًا مهمًا ساهم في الحد من جاذبية عيار 14 بالنسبة للصناعة، ويتعلق بتغير خصائص السبيكة كلما انخفض العيار.
وقال فاروق إن انخفاض العيار يعني ارتفاع نسبة المعادن المضافة إلى الذهب؛ فهذه المعادن تمثل نحو 12.5% من عيار 21، وترتفع إلى 25% في عيار 18، ثم إلى نحو 41.7% في عيار 14.
وأضاف أن زيادة نسبة المعادن المضافة تؤدي إلى ارتفاع صلابة السبيكة، وكلما زادت الصلابة أصبحت عمليات التصنيع والتشكيل والتشطيب والتلميع أكثر صعوبة، كما ترتفع نسبة الهالك خلال مراحل التصنيع.
وأوضح أن ارتفاع الهالك يمثل تكلفة يتحملها المصنع في النهاية، ومع زيادة الوقت والجهد ومراحل التشغيل اللازمة للوصول إلى التشطيب المطلوب ترتفع تكلفة الإنتاج، ومن ثم ترتفع المصنعية على المشغول النهائي.
وقال فاروق إن هذه النقطة صنعت مفارقة اقتصادية أمام عيار 14؛ فالهدف الأساسي من طرحه هو تخفيض سعر المشغول نتيجة انخفاض كمية الذهب الخالص داخله، لكن زيادة الهالك وارتفاع تكلفة التصنيع والمصنعية تستهلك جزءًا من الوفر الذي يفترض أن يحصل عليه المستهلك.
كما أن ضعف الطلب جعل التجار أقل حماسًا للاحتفاظ بتشكيلات واسعة من عيار 14، إذ يفضل التاجر توجيه رأسماله إلى عيارات تتمتع بحركة مبيعات أكبر، وهو ما انعكس بدوره على رغبة المصانع في الاستمرار في الإنتاج.
لماذا تنجح العيارات المنخفضة في أوروبا؟
كشف «مرصد الذهب» أن المقارنة مع الأسواق الأوروبية تؤكد أن المشكلة ليست في صلاحية العيارات المنخفضة لصناعة المجوهرات، وإنما في اختلاف ثقافة المستهلك ووظيفة الذهب من سوق إلى أخرى.
فبحسب مجلس الذهب العالمي، يمثل عيار 9، الذي يحتوي على 37.5% فقط من الذهب الخالص، الحد الأدنى الذي يمكن عنده وصف المشغول بأنه ذهب في بريطانيا وفرنسا والنمسا والبرتغال وأيرلندا، بينما يصل الحد الأدنى إلى 8 قراريط في الدنمارك واليونان.
وفي بريطانيا، يعترف نظام الدمغ رسميًا بدرجة نقاء 375، أي عيار 9، إلى جانب عيارات أعلى، بما يعكس وجود ثقافة مختلفة في التعامل مع المجوهرات الذهبية.
وقال فاروق إن المفارقة تتمثل في أن أسواقًا أوروبية تقبل مشغولات تحتوي على أقل من 40% من الذهب الخالص، بينما لم يستطع عيار 14، الذي يحتوي على نحو 58.3% ذهب، بناء سوق واسعة في مصر.
وأضاف أن ذلك لا يعني أن المستهلك الأوروبي يفضل دائمًا العيارات المنخفضة، إذ تختلف أنماط الاستهلاك بين الدول، وإنما يؤكد أن نجاح العيار لا تحدده نسبة الذهب وحدها.
ففي كثير من الأسواق الأوروبية تدخل عناصر التصميم والموضة والعلامة التجارية والمتانة والاستخدام اليومي بقوة في قرار شراء المجوهرات، بينما ظل المشغول الذهبي في مصر يجمع بين الزينة والادخار والاحتفاظ بالقيمة.
المصري خفّض وزن الذهب بدلًا من خفض العيار
أكد «مرصد الذهب» أن ارتفاع أسعار الذهب لم يؤد حتى الآن إلى تغيير هذه القاعدة، إذ اختار المستهلك المصري وسيلة أخرى للتكيف مع ارتفاع الأسعار، تمثلت في تقليل وزن الذهب بدلًا من النزول بالعيار.
وقال فاروق إن الأسرة التي لم تعد قادرة على شراء شبكة بوزن 20 جرامًا من عيار 21 قد تتجه إلى شراء 10 أو 12 جرامًا من العيار نفسه، بدلًا من الحفاظ على الوزن والانتقال إلى عيار 14.
كما استجابت الصناعة بإنتاج مشغولات أخف وتصميمات تحقق حجمًا مناسبًا باستخدام كمية أقل من الذهب.
وأضاف أن هذه الاستجابة تفسر جانبًا كبيرًا من عدم نجاح فكرة «العيار المنخفض» في مصر؛ فالمستهلك أعاد ضبط كمية الذهب التي يشتريها بما يتناسب مع قدرته الشرائية، لكنه ظل أكثر تمسكًا بالعيار.
لماذا فشل عيار 14 في مصر؟
خلصت دراسة «مرصد الذهب» إلى أن فشل عيار 14 في السوق المصرية جاء نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، في مقدمتها قوة ارتباط المصريين بعيار 21، والتي تزداد في الأقاليم والريف، واستمرار محدودية قبول عيار 18 نفسه في بعض القرى.
كما شملت العوامل انخفاض محتوى الذهب في عيار 14، وزيادة صلابته وارتفاع نسبة الهالك خلال التصنيع، وما يترتب على ذلك من ارتفاع المصنعية، فضلًا عن ضعف الطلب الذي حد من حماس التجار والمصانع للتوسع في إنتاجه وتسويقه.
وأكد فاروق أن تجربة السوق المصرية يمكن اختصارها في قاعدة واضحة: «كلما ارتفعت الأسعار، كان المستهلك المصري أكثر استعدادًا لتقليل وزن الذهب الذي يشتريه من استعداده لتقليل عياره؛ ولذلك نجحت العيارات المنخفضة في أسواق عالمية تنظر إلى الذهب باعتباره مجوهرات في المقام الأول، بينما ظل ارتفاع العيار جزءًا أساسيًا من مفهوم القيمة لدى المستهلك المصري».

















الصعوبات ليست عدوك... التردد هو من يهزمك
الغابات ليست موطن الثعابين وحدها
رسالة لطلاب الثانوية العامة
إلى كل من شكّ في نفسه يومًا: هذه الرسالة لك
مصر للصرافة تفتتح 6 فروع جديدة وترفع شبكة فروعها إلى 76 فرعًا...
وزير الزراعة يبحث مع وفد «إيكاما» الصينية توطين صناعة المبيدات ونقل التكنولوجيا...
وزير النقل يبحث مع نائب مساعد وزير التجارة الأمريكي فرص الشراكة في...
الإسكان تنظم ورشة عمل حول الشراكة مع القطاع الخاص في مشروعات المرافق...